أحمد مصطفى المراغي
156
تفسير المراغي
وجملة الأمر في ذلك ألا يصدر من السامع ما يعدّ في اعتقاده أو في عرف الناس أنه مناف للأدب : ولا بأس بقراءة القرآن حال القيام والقعود والاضطجاع والمشي والركوب ، ولا تكره مع حدث أصغر ولا مع نجاسة ثوب أو بدن ، وإن كان يستحب الوضوء حين القراءة حال الحدث ولا سيما للقارئ في المصحف . وتستحب القراءة بالترتيل والنغم الدالة على التأثير والخشوع من غير تكلف ولا تصنع ، فقد روى أبو هريرة مرفوعا « ما أذن ( استمع ) اللّه لشئ ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن » رواه الشيخان . ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) أي واذكر ربك الذي خلقك وربّاك بنعمه في نفسك بأن تستحضر معنى أسمائه وصفاته وآلائه وفضله عليك وحاجتك إليه ، متضرعا له خائفا منه راجيا نعمه ، واذكره بلسانك مع ذكره في نفسك ذكرا دون الجهر برفع الصوت من القول وفوق التخافت والسر ، بل ذكرا قصدا وسطا كما قال تعالى : « وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » . وذكر اللسان وحده دون ذكر القلب وملاحظة معاني القول لا يجدى نفعا ، فكم رأينا من ذوى الأوراد والأدعية الذين يذكرون اللّه كثيرا بالمئين والآلاف ولا يفيدهم ذلك معرفة باللّه ولا مراقبة له ، لأن ذلك أصبح عادة لهم تصحبها عادات أخرى منكرة ، ومن ثم كان الواجب الجمع بين ذكر القلب وذكر اللسان . وأجمل الأوقات لهذا الذكر وقتان أول النهار وآخره لأنهما طرفا النهار ، ومن افتتح نهاره بذكر اللّه واختتمه به كان جديرا بأن يراقب اللّه ولا ينساه فيما بينهما ، ويكون هذا الذكر في صلاتي الفجر والعصر اللتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار ويشهدان عند اللّه بما وجدا عليه العبد كما ورد في صحيح الآثار . ( وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ) عن ذكر اللّه بل أشعر قلبك الخضوع له والخوف من